عثمان بن جني ( ابن جني )
18
الخصائص
باب في نقض العادة المعتاد المألوف في اللغة أنه إذا كان فعل غير متعدّ كان أفعل متعدّيا ؛ لأن هذه الهمزة كثيرا ما تجيء للتعدية . وذلك نحو قام زيد ، وأقمت زيدا ، وقعد بكر ، وأقعدت بكرا . فإن كان فعل متعدّيا إلى مفعول واحد فنقلته بالهمزة صار متعدّيا إلى اثنين ؛ نحو طعم زيد خبزا ، وأطعمته خبزا ، وعطا بكر درهما ، وأعطيته درهما . فأمّا كسى زيد ثوبا ، وكسوته ثوبا ، فإنه وإن لم ينقل بالهمزة فإنه نقل بالمثال ؛ ألا تراه نقل من فعل إلى فعل . وإنما جاز نقله بفعل لمّا كان فعل وأفعل كثيرا ما يعتقبان على المعنى الواحد ؛ نحو جدّ في الأمر ، وأجدّ ، وصددته عن كذا ، وأصددته ، وقصر عن الشئ وأقصر ، وسحته اللّه وأسحته ، ونحو ذلك . فلما كانت فعل وأفعل على ما ذكرنا : من الاعتقاب والتعاوض ، ونقل بأفعل ، نقل أيضا فعل بفعل ؛ نحو كسى وكسوته ، وشترت عينه وشترها ، وعارت وعرتها ، ونحو ذلك . هذا هو الحديث : أن ( تنقل بالهمز ) فيحدث النقل تعدّيا لم يكن قبله . غير أن ضربا من اللغة جاءت فيه هذه القضيّة معكوسة مخالفة ؛ فتجد فعل فيها متعدّيا ، وأفعل غير متعدّ . وذلك قولهم : أجفل الظليم ، وجفلته الريح ، وأشنق البعير إذا رفع رأسه ، وشنقته ، وأنزف البئر إذا ذهب ماؤها ، ونزفتها ، وأقشع الغيم ، وقشعته الريح ، وأنسل ريش الطائر ، ونسلته ، وأمرت الناقة إذا درّ لبنها ومريتها " 1 " . ونحو من ذلك ألوت الناقة بذنبها ، ولوت ذنبها ، وصرّ الفرس أذنه ، وأصرّ " 2 " بأذنه ، وكبّه اللّه على وجهه ، وأكبّ هو ، وعلوت الوسادة ، وأعليت عنها .
--> ( 1 ) أي مسحت ضرعها لتدرّ . ( 2 ) أي سوى أذنه ونصبها للاستماع ، وذلك إذا جدّ في السير .